النصائح الدرر لإخواننا الخارجين لإعادة الفكر والنظر PDF طباعة أرسل لصديقك
الاثنين, 02 نوفمبر 2009 22:26

فكان الواجب عليك - أخي المقاتل - وأنت الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن لا تقدم على الخروج حتى يأذن لك الشرع ، خاصة أن مسألة الخروج على الحكام مسألة خطيرة وليست بسيطة كما تظنها وتحسبها ، لأنها تكلف الأمة بأكملها دماءها وأعراضها وأموالها وإراقة الدماء وإباحة العرض والمال مسؤولية كبيرة لا يمكن أن يتحملها أي شخص ، أو أن يقرر زمانها أو مكانها أو فائدتها أو ضررها إلا العلماء المعتبرون والراسخون ، وأهل الحل والعقد في الأمة ، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض كلامه عن القتال : وفي الجملة فالبحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم .* منهاج السنة : م4ص 504*

لأن الخطأ والإنحراف فيها عن جادة الصواب وارد جدا على غير العلماء الراسخين في العلم .؛ قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله -: إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولي من هو أهل لذلك ، ويجعل من أهله ولا يتقدم بين أيديهم ، فإنه أقرب إلى الصواب و أحرى للسلامة من الخطأ * تفسير السعدي انظر الآية 83 من سورة النساء *

إذن العصمة من الخطأ والإنحراف تكمن في استفتاء الراسخين في العلم ، و كل فساد وبلاء و شر في الدنيا والآخرة فسببه سؤال من ليس أهلا للفتوى ، لذلك كله بكى ربيعة يوما بكاءا شديدا فلما قيل له : أمصيبة نزلت بك ؟ فقال : لا ! ولكن أستفتي من لا علم عنده و ظهر في الإسلام أمر عظيم .* التعالم للشيخ بكر -رحمه الله ط دار القلم الجزائر ص 32*

فيظهر مما سبق أن الذي يستحق إدلاء حكم الله في مسألة الخروج على الحكام في الجزائر هو العالم المعاصر الحي ( أي يرد الأمر في النوازل للعلماء الأحياء لا الأموات ، لأن لكل واقع ملابساته و أحكامه ، فلا يجوز إنزال فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -أو القرطبي - رحمه الله - أو غيرهما من العلماء السابقين على واقعنا لأنهم عايشوا واقعا فأفتوا بحسبه و نحن نعايش واقعا آخر ليس كواقعهم .) الراسخ البارع في علوم الشرع الذي إذا سئل عن مسألة كأن علم الدنيا لوح بين عينيه ، وكان من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها .* أبو داود رقم : 3740 وهو صحيح .

و من تكلم في هذه القضية الخطيرة التي نزلت بديارنا ، ولم يشهد له العلماء الربانيون في هذا العصر بالرسوخ في العلم ، و الأهلية للبحث في النوازل الكبار ، فلا يقبل قوله ، ولا ينفذ حكمه ، ولا يصح استفتائه ، لأنه ليس من أهل هذا الشأن ، وهو فيما أقدم عليه آثم كذاب مغرور ، قال الإمام النووي - رحمه الله - قالوا : -أي العلماء - فأما من ليس بأهل للحكم ، فلا يحل له الحكم ، فإن حكم فلا أجر له ، بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا ، لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي ، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا ، و هي مردودة كلها ، ولا يعذر في شيئ من ذلك ، و قد جاء في الحديث في السنن * القضاة ثلاث قاض في الجنة واثنان في النار : قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، و قاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار ، وقاض قضى على جهل فهو في النار * * أخرجه أبو داود (3573) وابن ماجه ( 2315) ** شرح مسلم ج 12 ص 240 طبعة دار المعرفة بيروت .

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل ، و بالمناصب لا بالأهلية ، قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم ، و مسارعة أجهل منهم إليهم ، تَعُجُ منهم الحقوق إلى الله عجيجا ، و تضجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا ، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهل من الفتيا أو قضاء أو تدريس استحق اسم الذم ، ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه هذا حكم دين الإسلام .

وإن رغمت أنوف من أناس :::::: فقل يا رب لا ترغم سواها . * التعالم ص : 33*

و كذلك نقول : لا نأخذ عن مثل هذا الضرب من العباد ديننا مهما ألفوا ونشروا وحققوا وصاحوا ، قال ابن سيرين - رحمه الله - : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم * أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه رقم : 26 *.

فلا نقبل قول أحد إلا إذا ثبتتت عدالته و أهليته للفتوى بالتزكية من العدول الثقات أهل العلم والفهم - إذا جربوه بطول العشرة والمعاملة حتى عرفوا سره وعلانيته - لهذا بوب الإمام النووي - -رحمه الله - لصحيح مسلم بابا سماه ( النهي عن الرواية عن الضعفاء والإحتياط في تحملها ) ومما جاء في هذا الباب قصة عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - حينما جاءه رجل يحدثه ويقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يَأذن لحديثه ، ولا ينظر إليه ، فقال : يا بن عباس ! مالي لا أراك تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم و لا تسمع ، فقال ابن عباس : إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرناه أبصارنا ، و أصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف .* مقدمة مسلم :رقم 21*

لهذا كله قال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: لا يصح له * أي السائل * أن يسأل من لا يعتبر في الشريعة جوابه ، لأنه إسناد أمر إلى غير أهله ، والإجماع على عدم صحة مثل هذا ، بل لا يمكن في الواقع لأن السائل يقول لمن ليس بأهل لما سئل عنه : أخبرني عما لا تدري ، و أنا أسند أمري لك فيما نحن في الجهل به على سواء ، مثل هذا لا يدخل في زمرة العقلاء ، إذ لو قال له : دلني في هذه المفازة على الطريق إلى الموضع الفلاني ، وقد علم أنهما في الجهل بالطريق سواء ، لعده من زمرة المجانين ، فالطريق الشرعي أولى ، لأنه هلاك أخروي وذلك هلاك دنيوي خاصة .* الموافقات تحقيق مشهور ط1417 ج 5 ص 285.*

وقال أيضا : لا يصح أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه بأنه ليس من أهل ذلك الأمر ، كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس بطبيب إلا أن يكون فاقد العقل * الإعتصام تحقيق سليم الهلالي ج2 ص 285*.

فإذا تقرر لديك أخي المقاتل ما تقدم من أنه لا يفتي في النوازل إلا من كان عالما ربانيا ، والمستفتي لا ينبغي له أن يسأل إلا من كان هذا وصفه ، فإن أهل الحل والعقد ومجتهدي هذا العصر أمثال المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله - والشيخ العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله - والشيخ العلامة الأصولي الفقيه محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- وغيرهم من العلماء المعتبرين المحققين الذين هم رموز الدعوة السلفية قد أجمعوا على تحريم الخروج على حكام الجزائر واستنكفوا عن تسمية ما أنت فيه جهادا ، وطلبوا منك ومن كل خارج وضع السلاح والكف عن القتال و التوبة مما أنتم فيه .

وإجماعهم هذا قد صار اليوم في الشهرة والظهور كشهرة ما يحدث في الجزائر من هرج ومرج ، و أشرطتهم التي تكلموا فيها عن واقع الجزائر الأليم قد وزعت على نطاق واسع ، ونعتقد أنها وصلتكم واستمعتم إليها - نذكر منها على سبيل المثال :

-1: شريط للمحدث العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله - يوم 23-10-1995.م. تحت عنوان : ( منهج الخوارج ) و رقمه هو : 830على واحد.

-2:شريط للشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين وقد تم تسجيله يوم : 28-05-1999.م.

-3: شريط فيه مكالمة هاتفية بين شيخنا أبي عبد الباري والشيخ عبد المحسن بن محمد البدر .

ولا يوجد - ولا واحد - من أهل العلم المعتبرين المحققين الذين وضع لهم القبول في الأرض ، وممن قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ومن له في الأمة لسان صدق عام ، بحيث يثنى عليه ، و يحمد في جماهير أجناس الأمة ، فهؤلاء هم أئمة الهدى و مصابيح الدجى .* مجموع الفتاوى ، دار بن حزم ط1، 1418، ج11، ص27.*

يؤيده ما أقدمتم عليه إلا ما سمعناه عن بعض المتعالمين والمتمشيخين أمثال أبي قتادة و أبي الوليد وغيرهما ممن لا يعتد بقولهم ، ولا عبرة بهم لأنهم ليسوا من أهل الحل والعقد ، ولا بلغوا رتبة الاجتهاد.

فحصل بذلك الأمر الإجماع على تحريم الخروج على حكام بلادنا ، وإذا كان الأمر كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -قال : وإذا ثبت اجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن اجماعهم ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة .* مجموع الفتاوى ج20ص10*

فاجماع مجتهدي هذه الأمة في هذا الوقت على تحريم الخروج على حكام الجزائر حجة قوية في ديننا ، ولا يجوز لأحد أن يخالفه بدعوى نبذ التقليد لأنه عند التحقيق تجده يقلد كل من هب ودب من حدثاء الأسنان ، فما دمت أخي المقاتل لست من أهل العلم ، ولم تبلغ رتبة الإجتهاد ، وفقه المصالح والمفاسد أنت عنه بمعزل ، فيتعين عليك الأخذ بفتوى هؤلاء العلماء الكبار في هذه النازلة ، وتخضع لحكمهم فيها وتنزل نفسك فيها منزلة العامي الذي يجب عليه تقليد المجتهد .

قال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله- فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة ، ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك ، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها ، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم .*مختصر بيان العلم وفضله ، اختصره أبو عبد الرحمن محمود الجزائري .دار هومة ، الجزائر .ط2، 1417، ص 116.*

وقال الإمام الشاطبي : إن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء ، إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئا ، فليس النظر في الأدلة والإستنباط من شأنهم ، ولا يجوز ذلك لهم البتة ، وقد قال تعالى :* فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون .*النحل : 43. و المقلد غير العالم ، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر .* الموافقات ج5.،ص337*

و قال الإمام محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله -: الواجب على العوام الذين لا قدرة لهم على التعلم سؤال أهل العلم والعمل بما أفتوهم به .*أضواء البيان دار الكتب العلمية ط1، 1417، ج7، ص 351.

وفتوى علماء هذا العصر في قضية الخروج على حكام الجزائر بالنسبة لمن لم يبلغ درجتهم في الإجتهاد قائمة مقام الدليل و البرهان كما قال الشاطبي -رحمه الله-: فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين .* الموافقات ج5 ، ص 336.*

يتبع بإذن الله تعالى ............في ............الحلقة الثالثة ...........والله الموفق

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
 

دفاع الشيخ عبد المالك رمضاني عن الشيخ العيد شريفي

مقالات مختارة

صورة
النصائح الدرر لإخواننا الخارجين لإعادة الفكر والنظر الجزء الأول
الاثنين, 02 نوفمبر 2009
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد فهذه رسالة... أقرا المزيد...
صورة
سلسلة : تنوير الأفهام بمختارات من أحاديث الأحكام -1-
الخميس, 25 فبراير 2010
الحديث الأوّل: عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه يقول:سئل رسول الله صلى الله عليه... أقرا المزيد...
صورة
تعليق على وصية العلامة الألباني رحمه الله
الاثنين, 11 يناير 2010
قال الشيخ محمد ناصر الدّين الألباني ـ رحمه الله ـ : إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه... أقرا المزيد...
صورة
السبيل إلى العمل بالعلم
الاثنين, 02 نوفمبر 2009
السبيل إلى العمل بالعلم ، هو إعداد الجانب القلبي وشَحْنه بالإيمان ،ليس هناك سبيل... أقرا المزيد...
صورة
النصائح الدرر لإخواننا الخارجين لإعادة الفكر والنظر
الاثنين, 02 نوفمبر 2009
فكان الواجب عليك - أخي المقاتل - وأنت الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ،... أقرا المزيد...
صورة
فقه الدعوة الى الله (1)
الاثنين, 18 يناير 2010
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات... أقرا المزيد...
صورة
تنوير الأفهام بمختارات من أحاديث الأحكام -2-
الاثنين, 15 مارس 2010
  الحديث الثاني : عن أبي الدرداء رضي الله عنه يرفعه: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال... أقرا المزيد...
الرفعة بالعلم
السبت, 27 فبراير 2010
الرفعة بالعلم:لشيخنا العيد بن سعد شريفي ـ حفظه الله ـ إنّ الحمد لله نحمده... أقرا المزيد...
صورة
تنوير الأفهام بمختارات من أحاديث الأحكام [3]
الاثنين, 24 مايو 2010
الحديث الثالث الإقرار الرباني والإقرار النبويّ[1/2] 1/الإقرار النبوي: . [1]. زاد إسحاق... أقرا المزيد...
مارأيك في موقع الشيخ العيد شريفي ؟
 

المتواجدين حاليا

يوجد حاليا 4 زوار المتواجدون الآن