|
تنوير الأفهام بمختارات من أحاديث الأحكام -2- |
|
|
|
|
الاثنين, 15 مارس 2010 12:49 |
|
الحديث الثاني :
عن أبي الدرداء رضي الله عنه يرفعه:
"ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلا { وما كان ربك نسيا}"
تخريج الحديث:
الحديث أخرجه الحاكم في مستدركه{(3419)-(2/406).} والبزار في مسنده.
قال الشيخ الالباني ـ رحمه الله تعالى ـ:"أخرجه الحاكم من طريق عاصم ابن حيوة عن ابيه عن ابي الدرداء ـ رضي اله تعالى عنه ـ رفع الحديث وقال: ووفقه الذهبيّ .
وأقول : إنما هو حسنٌ فقط ، فإنّ رجاء بن حيوة قال فيه ابن معين وقال أبو زرعة وذكـره ابن حبّان في وقال الذهبي في :"ويُقال تكلم فيه ابنُ قُتيبة ".
والحديث أورده ـ الهيثميّ ـ في مجمع الزوائد(7/55)،قال رواه البزار" ورجاله ثقات " وفي موضع آخر(1/171)،قال :"رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثوقون".
وقال البزار "إسناده صالح"كما في "شرح الأربعين "لابن رجب الحنبليّ وانظر غاية المرام للشيخ الألبانيّ رحمه الله (14-15)
هذا الحديث ،وهذه درجته وهو إلى الحسن آيل ؛يعني حكمه عليه بالصلاح وبالصحة من الحاكم في المستدرك وموافقة الذهبي له غير سليمة ، لما ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني ما فيه.
ورُوي بألفاظ أخرى عديدة عن غير أبي الدرداء، بأسانيد كثيرة ضعيفة؛ وروي معناه صحيح عن ابن عباس موقوفا عنه ،لما رواه ابن ابي شيبة في مصنفه(4/259).
ـ ما يُستفاد من الحديث ـ
1)أن الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرّم الله في كتابه .
2) وصف الله عز وجل "بالسكوت" وصف يليق بجلاله وكماله ، لأن اله يتكلم متى شاء وكيف شاء فليس لأحد أن يردّ هذا الوصف الذي وصفه به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ،حيث أنه سكت عن أشياء .
ـ فيه دلالة أن الله سكت عن أشياء كثيرة ولم يذكر لها حكمها، لا بالحل ولا بالحرمة.
3)ثم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : دلالة عن التسليم لما سكت عنه الله عز وجلّ.
ـ وضمناً فيه النهي عن الخوض في التحليل والتحريم من غير أدلة شرعيّة{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }[النحل116:]
4)ثم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : كذلك نفى عن المولى عز وجلّ صفة النّسيان ،فهو عليمٌ خبير ،وإنّما سكت عن هذه الأشياء رحمة بالعباد.
وهذا موافقٌ لآياتٍ وأحاديث كثيرة جاءت في النّهي عن السؤال،مثل قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }[المائدة101] فهي عفو من الله عز وجلّ .
ـ وقال صلى الله عليه وسلم :[متفق عليه](1)
ـ وكان الصحابة يتوقفون عن السؤال خشية أن يصلوا إلى مثل هذا .
ـ إذن في هذا الحديث بيان أن الله تبارك وتعالى سكت عن أشياء رحمة أي ليس نسياناً وإنّما عفو منه على العباد.
ـ فيه دلالة أن الأصـل الذي امتاز به ـ ابن حزم ـ وهو أصل البراءة الأصليّة ؛ استصحاب الأصـل الذي هو البراءة .
ـ وفيه دلالة (ابتداءاً) عن التعسُّف في استعمـال الأقيسة.
ـ فيه دلالة عمّا يسمّى بالأغلوطـات الفقهيّة ،وعدم جوازهـا ،وهي افتراضات (مسائل غير واقعة وهو [الفقيه]يبحث عن حكم لها)لذا كان السلف إذا سئلوا مثل هذا قالوا أوقع فإن وقع اجابوا وإلاّ لـم يجيبوا .
ـ فـوائد يجب بيانها ـ
1) في كـلامه ـ صلى الله عليه وسلم ـ النّاظر في ظاهر النص يظن أن التحليل والتحريم مُختصٌ بكتاب الله فقط ، ـ وقد قال صلى الله عليه وسلم ـ <<ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه >> فإذا قلنا أن التحليل والتحريم مختص بالكتاب فهذا يعضد مذهب القرآنيين ؛ هذه الدلالة الظاهرة لم يفهم منها السلف هذا الظاهر،بل جعلوها تشمل السنّة بظاهر النص ،وهم اتقن منّا وأفهم منّا لكتاب الله عز وجلّ ..
ودليلُ ذلك حديثُ ـ عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ؛لمـّا جاءت امرأة من بني أسد إليـه لمـا حدّث بحديث فجاءت فقالت :"بلغني أنك لعنت كيتَ وكيت"فقال: {ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومن هو في كتاب الله ،فقالت: لقد قرأتُ مابين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول،قال:لو كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت :{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }[الحشر7.} قالت :بلى،قال:فإنه قد نهى عنه [رواه البخاري ومسلم]فهذا بدلالة النص القرآني أن ما حرم الله مثل ما حرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ
وجاء هذا صراحة من حديث آخر رواه الترمذي وهو قوله صلى الله عليه وسلّم {ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه }ـ{ صحيح الجامع:حديث رقم: 2643}.
فمن توقف على ظاهر هذا الحديث الذي ندرسه فقد أخطأ ،لأن السلف ما توقفوا عند ظاهره .
2)في قوله صلى الله عليه وسلّم : ـ يُفهمُ منه بجميع دلالات الألفاظ العربية من: ((الاشارة والإيماء ،القياس الأولوي ،مفهوم المخالفة....)) كل هذه الدلالات تدخل داخل هذا المعنى ،لأنا لو فهمنا هذا الفهم(الظاهر)،سنجعل النصوص الشرعيّة ،حقيقة يصدق فينا قول القائل(الشريعة لا تفي بعشر معشار ما الناس بحاجة إليه )) وهو قولٌ باطل .
ـ إذا ففي قوله هذا يشمل جميع الدلالات التي تعامل بها العرب ،حتى مفهوم المخالفة وقد استعملها الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فقد جاء في الحديث الصحيح الذي قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ؛استدلاله وفهمه من دلالة القرآن في قوله تعالى:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً }[النساء101] فعلق القصر على { إِنْ خِفْتُمْ }(مفهوم الشرط) فجاء للنبي صلى الله عليه وسلّم مستفسرا مُعملا دلالة من دلالات الألفاظ العربية،فقال:،فما انكر عليه صلى الله عليه وسلّم ولكن بيّن له أنها
3)وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أي بعد استعمال الأدلة ،فالأصل العفو الذي عفا الله عنا لا يستطيع الوصول إليه إلاّ العالم،وهذا امر يعول للعالم لأنه قد توفرت فيه شروط معرفة دلالات النصوص ومن ضيق على المسلمين يدخل في قوله صلى الله عليه وسلّم : :[متفق عليه] وقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }[النحل116:]
وقد اصطلح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ،على هذا النص بقاعدة[عدم جواز تاخير البيان عن وقت الحاجة]يعني وجود المقتضي لبيانها .
والخلاصة :
أ)تنقيح المناط: وهو أن يَرِدَ الحكم بعدة علل ،ويبحث الفقيه عن العلة التي عليها المدار ،فينقح ويستخرج .
ب)تحقيق المـناط :وهو إنزال الحكم على الأعيان .
ت)تخريجُ المنــاط: وهو استخراج علة النّص ولهذا أمثلة عديدة ذكرها اهل العلم ،ولهذا يختلف اهل العلم في التعليل .
ـ وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
[من دروس الشيخ بكلية أصول الدّين ].
ــــــــــــــ
هامش:
(1)رواه البخاري ـ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ـ باب ما يُكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه ـ حديث رقم(6859).ومسلم في صحيحه ـ كتاب الفضائل ـ باب ،توقيره وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه ـ حديث رقم(2358) ـ (4/1831) __________________
 |