|

القول المسدد في حكم الإحتفال بالمولد
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد
سئل الشيخ أبو
عبد الباري العيد بن سعد شريفي حفظه الله ورعاه :
لماذا اختلف
المسلمون في الاحتفال بالمولد النبوي ؟
الشيخ :قبل
الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نقرر أصلا عظيما نتفق عليه جميعا
وهو:
1-
أن تصرفات العبد بعد اسلامه قائمة على أساس شرعي , قال الله تعالى{وما خلقت الإنس
والجن إلا ليعبدون }(1)
وقال تعالى{ إن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}(2)
في هذه الآية
العظيمة يقرر المولى عز وجل أن الإنسان بعدما عقد الصفقة بينه وبين ربه لم يبق له حق التصرف
في نفسه كما يريد ,بل يعود الأمر كله لصاحب البضاعة والإنسان أمين عليها يقيمها على مراد صاحبها.
2-
أن صاحب البضاعة أنزل إلينا دستورا وأرسل إلينا رسولا يعلمنا هذا الدستور، ولم يفرط فيه شيئا ,فقال
تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم
نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }(3),وقال تعالى{ ما فرطنا في الكتاب من شيئ} (4)
وقال تعالى: {وما
كان ربك نسيا }(5)وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين}(6) وقال عند
ذكر اختلاف الأمة:
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ)(7)فكل مانحن بحاجة إليه مما يصلح
ديننا ودنيانا إلا وفيه عندنا من الله حكما ،علمه من علم وجهله من جهل.
3-
لم يجعل الله للعقل البشري في المجال الشرعي إلا التسليم والإنقياد, لأن العقل أثبت أن الشرع الذي وصل
إليه من عند من هو متصف بجميع صفات الجمال والكمال, ولقد بين له الشرع أن الأمورقد تكون على خلاف
مراده وخلاف مايحب لكن
عليه بالتسليم مرة أخرى لقول الله تبارك وتعالى : عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم {وعسى أن تحبوا
شيئا وهو شر لكم والله يعلم}(8) ثم ختم الآية بأمر عظيم وهو قوله تعالى {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}(9)
فما على الجاهل
إلا أن يسلم مقاليد حياته للعليم الخبير الذي لا يخفى عليه شيئ في الأرض ولا في
السماء.
بعد هذا التقرير
لما سبق نعود للكلام على الأعياد , فبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى
المدينة النبوية
وجد أهلها
يحتفلون بعيدين من أعياد المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم(إن الله أبدلكم بهما عيدين الأضحى
والفطر)(10) فعلى العاقل- من خلال هذا - أن يعلم أن قضية الأعياد يعود تحديدها للشرع لا للبشر ، ولو
عاد الأمر إلى البشر
فكل أمة ستقيم لها أعيادا ، وبذلك تسود الفرقة والاختلاف بين المسلمين ،
فهذا يرتضي هذا
اليوم للعيد , والثاني يريد يوما آخر ، لذا فصل الشرع لكماله موضوع الأعياد ولم يترك أمرها لاختيار البشر وعلى
هذا نرى الأمة الاسلامية
الأولى -يعني القرون المفضلة-ماشرعت أعيادا بحسب الفتوحات والانتصارات وما راعت أعياد الأمصار المفتوحة وأقرتها عليها
،بل أوجبت عليهم
العيش تحت ظل الشرع والتسليم له.
فلا حق لأحد بعد
النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرع لهذه الأمة عيدا لأن الذي يأتي بعده قد لايعجبه
ذلك العيد
فيختار غيره .وانظر
أخي المسلم كيف أن العلماء لما رأوا أن التلاعب سيكون بالكعبة وذلك بين الأمراء لما بناها عبد الله بن الزبير على
أصولها الصحيحة ثم
جاء من ردها إلى الأصل التي كانت عليه أيام كفار قريش ,نهوا أ ن تمس الكعبة مرة أخرى فكذلك هذا
الأمر لابد أن يعود القول فيه إلى الشرع لا إلى الآراء والأهواء البشرية .
أعود للكلام على
المولد النبوي إن الاحتفال به جائز شرعا ومن قال بعدم الجواز فهو ظالم معتد
لكن لمعرفة كيفية
الاحتفال به لابدمن العودة إلى صاحب المولد وهو النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لما رآه الناس يصوم يوم الإثنين سألوه
عن ذلك فقال(يوم ولدت
فيه وبعثت فيه)(11) فمن أراد أن يحتفل بالمولد والبعثة ويحقق كمال الاتباع فله أن يصوم كل يوم
إثنين فالاحتفال بالمولد.في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليس بسنوي وإنما أسبوعي ويكون بالصيام لا بالطعام
والمفرقعات والاختلاط
وفعل المنكرات ولاحل ولا قوة إلا بالله ,
وهذا الاحتفال
فردي ولا يجوز لأي انسان أن يجبر الناس على صيام يوم الاثنين للاحتفال بالمولد والبعثة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم
يفعل ذلك بل ترك
الأمر لكل مكلف بحسب قدرته
_ماهو الضرر في
وجود أعياد غير الأعياد الشرعية ؟؟
الشيخ: الضرر في ذلك واضح ,هذه
الأعياد والداعي إليها وذلك من دون شعور يدعي أن الله عز وجل لم يكمل دينه في باب الأعياد وأن النبي
صلى الله عليه وسلم
لم يتفطن إلى هذا ، وهذا يعد استدراكا على الشرع ورميا له بالتقصير وأن الدين في باب الأعياد
والاحتفالات لم يكمل فكل يوم نشرع للمسلمين أعيادا بحسب ما يريد الكفار
ويفعلونه ،ولهذا
لما قال رجل للإمام مالك لما أراد أن يحرم من المسجد النبوي : "ماهي
إلا خطوات أزيدها " فقال مالك :إنما أخشى عليك
الفتنة. ثم قرأ
عليه{فاليحذر الذين يخالفون عن أمره أن
تصيبهم فتنة}(12) فبين الإمام مالك أن الدين الذي يعيش عليه هو دين اتباع ،فقال وما لم يكن يو مئذ دينا
فلا يكون اليوم دينا.
فديننا دين اتباعا
لا دين فكر
وابتداع ولهذا قال الله تبارك وتعالى لنبيه {اتبع ما يوحى إليك من ربك} (13) وهو الموصوف صلى
الله عليه وسلم بجميع الصفات التي خولت له تحمل الرسالة السماوية وقد أراد المشركون أي يدفعوه إلى الخروج
عن هذا الأصل فقالوا
فيما يذكره الله في كتابه عنهم{ إيت بقرآن غير هذا أو بدله}(14) يريدون منه أن يأتي بالبديل
فقال {مايكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي }(15) أي ليس لي حق التشريع في التبديل والتغيير فهذا لم يعط
الرسول صلى الله عليه
وسلم هذا الحق وهو أحق الناس به فكيف يعطى لغيره من البشر الذين لم يصلوا إلى مكانته في الفهم
والعلم والنضج العقلي والفكري ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى الأصل السابق وهو الاتباع وأن لا حق لأحد أن
يأتي بشيئ من عنده
وليس له حق تقدير المصلحة أو المنفعة فقال {إن أتبع إلا مايوحى إلي}(16), فعلى كل مسلم عاقل
أن يدرك هذه الحقيقة العظيمة وقد حاول أعداء الإسلام كعادتهم على الدوام إبعاد المسلمين عن الدين الحق
الذي شرعه الله ليلجوا
باب الابتداع ويدخلوه بقوة لأن هلاك هذه الأمة يكون بالبدعة ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم
منها فقال( إياكم ومحدثات الأمور وقال كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار(17)
ثم قال تعالى
مبينا حال المفسدين من المشركين والمنافقين وغيرهم من المفكرين البعيدين عن الدين الحق{ وإن كادوا ليفتنونك عن
الذي أوحينا إليك لتفتري
علينا غيره}(18)وهذه هي الأساليب خداعة كالقول ماهو السبيل لإيجاد بديل إسلامي لهذه الأعياد,,,,,,,إلى
غير ذلك من الكلام الذي يقال مما تلوكه الألسن{
لتفتري علينا غيره} (19) فبغية هؤلاء هو دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء على الله وكذلك يفعلون اليوم لدفع
المسلمين إلى الإفتراء على
الله ونسبة الدين إلى غير الكمال باسم البديل {إذا لاتخذوك خليلا} (20)فهم لايرضون بقربك منهم إلا
بإفساد الدين لأنهم علموا أن قوة المسلمين بالتمسك بالدين الحق فقاموا بهذه الحملة الفكرية المنسعرة
الموهومة
,
فعلى المسلمين أن
يتفطنوا لهذا الفساد ويقفوا الموقف الشرعي الصحيح الذي يزدادون به قوة
قلت علموا أن قوة
المسلمين بالدين الحق وانظر كيف لاحظوا هذه الحقيقة بقوة في غزوة بدر{ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر
هؤلاء دينهم} (21)
فالموقف الذي
وقفه الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أمام كفار قريش نسبوه إلى قوة الدين
وهم على الدوام ,يحاولون إبعادنا عن الدين بكل الوسائل ثم قال تعالى لكل من يريد أن يأتي بشيئ من عنده
من الأمور الشرعية
{لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} (22) فهذا تحذير من الله لمن اراد أن يسلك هذا السبيل ولا
حول ولا قوة إلا بالله
سؤال في موجة هذه
الأعياد البشرية العارمة عيد الشجرة عيد الأمومة عيد العمال ألا يكون من
الفائدة وجود
أعياد دينية تذكر البشرية بعلاقتها مع ربها ؟
أما الأعياد التي
تذكر البشرية بربها فهي ليست موسمية بل يومية في كل لحظة من اللحظات وقد قال الشاعر وفي كل شيئ له ,,,,,آية تدل على
أنه الواحد
فالمسلم في كل
لحظة من لحظات حياته هو في عبودية من العبوديات إما عبودية طاعات ونواهي وإما عبودية نعم ومصائب فلا ينفك المسلم من
العيش مع الله وهذه
هي الحياة الحقيقية وإن شئت أن أقول فقد جعل الله للمسلمين أعيادا لتذكرهم فهذا يوم الجمعة هو
عيد المسلمين وهذه الصلوت الخمس هي أعياد يومية يجتمع فيها المسلمون ليتعرفوا على احوالهم بعضهم ببعض
وليتقربوا من
ربهم وهذا الحج الأكبر الدي يجتمع فيه المسلمون من كل فج عميق هو عيد المسلمين فماذا تريدون بعد هذه الأعياد كلها
فإننا لما فرطنا في
إقامة هذه الأعياد احتجنا إلى البحث عن أعياد بشرية نتذكر فيها ربنا وبذلك اتهمنا الله الله
عز وجل بأنه لم يجعل لعباده المؤمنين أعيادا تذكرهم به,, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وسبحانك اللهم
وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
الجزائر 11 ربيع
الأول .1424
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-
الذاريات(56)
2-
التوبة (111)
3-
مريم (64)
4-
الانعام(38)
5-
مريم (64)
6-
أخرجه مسلم (مج2/201) والألباني في الصحيحة( 2239 )
7-
الصحيحة (2375)
8- البقرة (216)
9- البقرة (216)
10- الصحيحة برقم 2021 ،صحيح
الجامع الصغير برقم 4381
11-
صحيح مسلم (مج3/168 ،إرواء الغليل (952)
12-
النور (63)
13-
الاحزاب (02)
14-
يونس (15)
15- يونس (15)
16- يونس (15)
17-
الإسراء (73)
 |