|
السبت, 27 فبراير 2010 16:51 |
|
الرفعة بالعلم:لشيخنا العيد بن سعد شريفي ـ حفظه الله ـ
إنّ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات
أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد ان لا
إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأشهد انّ محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }[آل عمران102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّمِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ
وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً }[النساء1]
َ{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً{70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فـَازَ فَوْزاً عَظِيماً{71}}[الأحزاب70-71]
أما بعد:فإنّ
أصـدق الحديث كتاب الله تعالى ،وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم
وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النّار .
ـ عباد الله!:
نعيشُ هذه
الأيّام[1] ، حالة من التدهوُر وكلّ النّاس يبحثون عن مخرج ؛تخرج منه هذه
البلاد مما وصلت إليه من ردى وفساد وضياع، ولعل الله ـ برحمة منه ـ أن لا
يكون قد أصابنا أو ما يصيبنا من جرّاء أفعالنا ما أصاب قوم سبأ بعدما أنعم
الله عليهـم ؛ قال تعالى في ذلك: {وَضَرَبَ
اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا
رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ
فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ }.[النحل112].وكما يقال اليوم ، ـ أزمة أمنيّة وأزمة اقتصاديّة ـ.
وتكاثرت الأصوات ،وكلٌ يدّعي أن ما هو عليه وما يضعُه هو النجاة والمخرجُ ..
ووالله الذي لا إله
إلا هو ؛ لا مخرج لنا ممّا نحنُ فيه إلا إذا عدنا إلى كتاب ربنا، وسنة
نبيّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله عز وجل يقول وهو اصدق القائلين :{ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ
}[الأنعام38]، فإن حصل تفريط فهو منّا ،لا من عند الله عز وجل ،وتعالو ا
معي لنسير مسيرة ربانيّة ،سلفية صحيحة،تُرشدنا إلى المخرج مما نحن فيه
؛فيقول المولى عزّوجل مبيّنا طريقة سعادة هذه الأمة،ولا طريقة لها إلاّ
ذلك ؛فمن المستحيل أن نجد سعادتنا في غير ما جاءنا عن ربنا وما أتانا به
نبيّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول الله تعالى في محكم تنزيله:{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }[المجادلة11] وهاته الرفعة ؛رفعة دنيوية ورفعة أخرويّة ،لأنه لا رفعة للمسلم إلاّ إذا حصل على الرفعة الأخرويّة.
إذاً :{ يَرْفَعِ اللَّهُ }: فالرفعة تكون من عند الله وحده ،لا من عند غيره،لا من عند أنفسنا ولا بسواعدنا ،وإنّما تكون رفعةً ربّـانيـّة سمويّة.
أما نبينا ـ صلى الله عليه وسلّم ـ فقد وضّح ذلك ولم يترك المجال لأيّ ناعق؛ فقال:{إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين
}. [رواه مسلم]..فرفعتنا في كتاب الله عزوجل وسنة نبينا ؛من المستحيل أن
يفرّط الله عزوجل في شيئ كيف وهو العليم الخبير،فهذه رحمة منه سبحانه
وتعالى؛ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:{إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم . }[السلسلة الصحيحة]
سلط الله عليكم ذُلاّ:ومنه قوله تعالى :{ذَلِكَ
بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[الأنفال500]
فالذل باق حتى
تُراجعوا دينكم وترجعوا إلى دينكم،فمن هنا الرفعة وطريقها لمن
يَنشُدهـا..من أفراد وجماعات وأمما ،وهي قائمة على أصلين عظيمين :
الأصل الأول الذي تكون به الرفعة في الدنيا والآخرة :
العلــم : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة11] في الدنيا والآخرة ،ولذلك قال تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }السجدة24
أي:(وجعلنا
منهم أئمة) قادة (يهدون) الناس (بأمرنا لما صبروا) على دينهم وعلى البلاء
من عدوهم (وكانوا بآياتنا يوقنون)ما حصّلـوا ذلك إلا بالعلم ..إذا بالعلم
الرفعة لا بغيره.
وأوّل علم تكون بـه
الـرفعة هو العلم بالله عز وجل؛فمن اعظم العلوم معرفة الله بأسمائه وصفاته
وألوهيته وربوبيته،فلا بد من معرفة المعبود أن نوحّد هذا الإله ولا رفعة
لنا إلاّبذلك،فمن جهل ربه فكيف يرفعه ربـه ؟قال الله عز وجل مبينا الجهل
به وبأسمائه وصفاته ان طريقه إلى الردى في الدنيا قبل الآخرة، {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ }[فصلت23]..ظنّوا انّ الله لا يعلم كثيرا مما يعملون .
فبعلم التوحيد يحقق العبد كمال عبوديته وكمال التوكل وكمال الثقة به ..
أما النوع الثاني من العلم فهو العلم :بحلالـه وحرامـه؛فهو شرعه الذي منّ به علينا والذي اختاره لنا للعيش به ..{... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ...}[المائدة3] فأغنانا الله بكمال دينه عن دين سواه ، فمن هنا يظهر جليًا قول النبي صلى الله عليه وسلّم:{ إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لاينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم . }[السلسلة الصحيحة].. فترك التعامل بالشرع هو الهوان ، والعمل بالعلم هو الرفعة بمفهوم المخالفة .الأمر الثالثُ :
أن ينسب الفضل له
وحده عزوجلّ،وهذا يولد دوام الافتقار إليه ،فيورث ذلك التواضع لله ولعباده
،أما إن نَسبنا هذا العلم لانفسنا وأنه محض اجتهاد منّا فالـويلُ ثـم
الـويل لـكـل مُسلمٍ ولكل طـالب علمٍ أن ينسب شيئا من فضل الله لنفسه
..لأن هذه النسبة ستولد امراضا خطيرة منها الاستكبار والعُجب ،والغـرور
وهذا ما وقع لبني إسرائل والنصارى..هذا الأصل الاول في طريق الرفعة.
ـــ
والأصل الثاني الذي
على الامة السير عليه لنيل الرفعة الربانيّة ولتعود لها إمامتها وقد قال
تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ
...}[آل عمران110]
إذا الأصل الثاني
:هو العمل بالعلم .هو ان يتجسد في الحياة ،فلا رفعة لنا وإن كنّا من اعلم
الناس إلا بالعمل به ،وقد بين الله لنا بوضوح ان الامم السابقة لما تركت
العمل بالعلم والشرع ذَلوا وخسروا:{عن
زياد بن لبيد قال : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال ذاك عند أوان
ذهاب العلم قلت يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه
أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة قال ثكلتك أمك زياد إن
كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرأون
التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما
}
[تمّ الجزء الأول..]
ـــــــــــ
[1] مع بداية انفراج الأزمة الأمنية بالجزائر..
 |